وصفت الأوساط السياسية والبرلمانية في مصر انتخابات مجلس النواب 2025 بأنها الأطول في التاريخ السياسي المصري، خاصة بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي وما تبعها من قرارات تنظيمية للهيئة الوطنية للانتخابات، والتي أعادت رسم المشهد الانتخابي في عدد من الدوائر على مستوى الجمهورية، وأطالت أمد العملية الانتخابية بهدف الوصول إلى الإرادة الحقيقية للناخبين وترسيخ أعلى درجات النزاهة والشفافية.
هذا المدى الزمني غير المسبوق، الذي جاء استجابة مباشرة لـ«فيتو الرئيس» لم يكن مجرد إجراء استثنائي، بل كشف بوضوح عن خلل بنيوي في العملية الانتخابية والخريطة السياسية، يحتاج إلى مراجعة شاملة، في مقدمتها شكل النظام الانتخابي ذاته، وترسيم الدوائر، ونسب التمثيل في القائمة والفردي.
إن انتخابات 2025، بطول مدتها وتعقيداتها، قد تكون الأكثر كلفة من حيث الزمن، لكنها ربما تكون الأكثر فائدة إذا تحولت دروسها إلى إصلاحات حقيقية، تضع مصر على مسار ديمقراطي أكثر توازنًا واستقرارًا في الاستحقاقات المقبلة.
القائمة والفردي.. اختلال في التوازن
أفرزت نتائج انتخابات 2025 واقعًا سياسيًا يؤكد أن النظام الانتخابي الحالي لا يعكس دائمًا التنوع الحقيقي داخل الشارع السياسي، ولا يضمن تمثيلًا متوازنًا للقوى الفاعلة في المجتمع.
ومع تصاعد الجدل، هناك العديد من التصورات، لعل أبرزها تعديل النسب لتكون 25% للقائمة و75% للفردي كأحد الحلول العملية، بما يعزز العلاقة المباشرة بين النائب والناخب، ويعيد الاعتبار لفكرة التمثيل الجغرافي الحقيقي.
قائمة لكل محافظة.. تمثيل أقرب للواقع
نظام القائمة المغلقة بشكله الحالي يشوبه الكثير من العوار فهناك مرشحين لا ينتمون نهائيًا للمحافظات التي يترشحون عنها ونجاحهم مضمون، ولذلك أصبحت هناك ضرورة ملحة لتغيير نظام قائمة القطاعات، وتمثيل كل محافظة بقائمة واحدة وفقًا لعدد سكانها، بدلًا من القوائم العملاقة العابرة للمحافظات والتي يُحسم نتيجتها مسبقًا، وتُضعف شعور الناخب بجدوى صوته.
فالقائمة وفق هذا التصور، قائمة نسبية على مستوى المحافظة، لتكون ضمانة للتمثيل المناسب داخل كل محافظة إلى جانب النظام الفردي، وهو ما يعني تقديم المرشحين لبرامج ترتبط بقضايا المحافظة، ونواب معروفين للناخبين مما يؤدي إلى زيادة الثقة في العملية الانتخابية وبالتالي زيادة نسبة المشاركة.
النظام الفردي الأحل الأنسب دائما في مصر
تؤكد التجربة السياسية المصرية، عبر عقود طويلة، أن النظام الفردي يظل الأقرب لطبيعة المجتمع المصري والأكثر تعبيرًا عن إرادة الناخبين الحقيقية. فالمواطن المصري يصوت في الأساس للشخص قبل الحزب، ويمنح ثقته لمن يعرفه عن قرب، ويشعر بوجوده في الشارع، لا لمن يراه مجرد اسم داخل قائمة مغلقة.
فالنظام الفردي يخلق علاقة مباشرة بين النائب ودائرته، ويعزز مبدأ المحاسبة الشعبية، ويجعل النائب حاضرًا وسط الناس، لا وسيطًا بينهم وبين الحزب.
وفي بلد يتمتع بتنوع اجتماعي وجغرافي واسع مثل مصر، يصبح التمثيل الفردي أكثر قدرة على نقل هموم القرى والأحياء والنجوع، بعيدًا عن العمومية التي تفرضها القوائم الكبيرة.
لذلك، فإن الاتجاه نحو توسيع النظام الفردي، مع تصغير الدوائر، ليس مجرد خيار فني، بل ضرورة سياسية تفرضها خصوصية المجتمع المصري، ورغبة حقيقية في برلمان أكثر تمثيلًا وفاعلية، قادر على أن يكون صوت المواطن الحقيقي تحت قبة البرلمان.
الدوائر الصغيرة تعني منافسة أكثر تكافؤًا، وفرصًا حقيقية للكوادر الشابة والمستقلة، مع الحد ولو جزئيًا من سيطرة المال السياسي على المشهد الانتخابي، ونوابًا أقرب إلى هموم الناس اليومية، لا مجرد أسماء عابرة في مشهد انتخابي واسع.
إن تعديل ترسيم الدوائر، وإعادة ضبط نسب القائمة والفردي، وربط القوائم بالمحافظات، وتصغير الدوائر الفردية، تمثل فرصة حقيقية لبناء برلمان أكثر تعبيرًا عن الشارع المصري، وأكثر قدرة على الرقابة والتشريع، وأقرب إلى المواطن في زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية.





