كتب: أحمد العطار
على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، حيث تختلط نسائم أمواج شواطئ الإسكندرية بروائح التاريخ وعراقة الحياة الاجتماعية داخل المدينة الساحلية، بدأ يتشكل مشهد جديد معقد يربط بين السياسة والرياضة في ظل تشابكات عائلية واقتصادية بين نخب جديدة داخل المشهد السكندري.
الإسكندرية، المدينة التي طالما حملت على أكتافها عبق التاريخ وتنوع الثقافات والحضارات، أصبحت ساحة تتقاطع فيها السياسة مع الرياضة، حيث تتكرر نفس الأسماء والعائلات في مواقع القرار، كأنها شبكة نفوذ تسيطر على الساحة داخل البرلمان والأندية الكبرى، وتعيد تشكيل المشهد العام بالعاصمة الثانية من خلال شبكات عائلية وعلاقات نسب ومصالح ممتدة، نجحت عبر السنوات في تثبيت حضورها داخل مؤسسات تشريعية ورياضية مؤثرة.
المشهد في الإسكندرية نموذج مصغر لحالة أوسع في الحياة العامة، حيث تتقاطع السياسة مع الرياضة والعلاقات الاجتماعية، في تشابك يراه البعض امتدادًا طبيعيًا للحضور الاجتماعي والاقتصادي، بينما يثير لدى آخرين علامات استفهام حول حدود النفوذ، وعدالة الفرص، واستقلالية القرار داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل قاعدة جماهيرية واسعة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز نخب جديدة تجمع بين العمل البرلماني والإدارة الرياضية، في نمط يعكس شبكة علاقات متداخلة أكثر من كونها مجرد مصادفات فردية.
ولعل أبرز هذه الأسماء النائب مصطفى أبوزهرة، عضو مجلس الشيوخ وعضو الاتحاد المصري لكرة القدم، الذي يجمع بين العمل النيابي وعضوية مجلس إدارة اتحاد كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى في مصر.
وفي الدائرة ذاتها، يظهر أحمد أبوزهرة، عضو مجلس إدارة نادي الأوليمبي السكندري، وهو الشقيق الأصغر للنائب مصطفى أبوزهرة، فضلًا عن كونه زوج نجلة محمد أحمد سلامة، رئيس نادي الاتحاد السكندري والقيادي بحزب مستقبل وطن، والذي يمثل حلقة مركزية في هذا المشهد، إذ يعتبر حضوره السياسي والرياضي جزءًا رئيسًا في المشهد السكندري بوصفه رئيسًا لأحد أعرق أندية الكرة المصرية وفاعلًا حزبيًا بارزًا فهو الأمين المساعد لحزب الأغلبية بالإسكندرية.
النائب عمر خمس الغنيمي، عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس نادي سموحة، يمثل أيضًا نموذجًا لهذا التداخل، حيث يجمع بين موقع تشريعي وموقع تنفيذي داخل أحد أكبر الأندية الرياضية بالمحافظة، مما يضعه في بؤرة الضوء، خاصة في ظل الدور المجتمعي والاقتصادي الكبير للأندية الرياضية بالمحافظة.
وتتسع دائرة التشابكات العائلية، مع وجود محمد رمضان، الفائز مؤخرًا بعضوية مجلس إدارة نادي الاتحاد السكندري وزوج شقيقة “الغنيمي”، في علاقة تضيف بعدًا عائليًا جديدًا إلى شبكة النفوذ داخل أكبر أندية الإسكندرية شعبية وتأثيرًا.
كما يبرز اسم سامي بطيئة، الفائز مؤخرًا بعضوية مجلس إدارة نادي الاتحاد السكندري تحت السن، وهو نجل شقيق رمضان بطيئة عضو مجلس النواب الحالي؛ والذي يمثل نموذجًا بارزًا لترابط النخب الجديدة في السياسة والرياضة.
وهناك أيضًا النائب أحمد رأفت، عضو مجلس النواب والفائز مؤخرًا بعضوية مجلس إدارة نادي الاتحاد السكندري فوق السن، والذي يجمع بين موقعه النيابي ومسؤولياته الإدارية داخل النادي.
هذا الارتباط العائلي والسياسي والرياضي يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الشبكات الاجتماعية التي تتحكم في مفاصل العمل العام، ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية القرار الرياضي، وما إذا كان الجمع بين المناصب السياسية والرياضة يعكس كفاءة وخبرة تراكمية أم نتاج شبكة علاقات عائلية ناجحة في إعادة إنتاج نفسها داخل المؤسسات نفسها.
هذا النمط ليس جديدًا على الحياة العامة المصرية لكنه يظل محل نقاش دائم بين مؤيد ومعارض، حيث لا تزال الحدود بين العمل العام والعمل الحزبي والعمل الرياضي محل نقاش دائم، خصوصًا في ظل غياب نصوص قانونية تمنع الجمع بين هذه المناصب بشكل صريح.
فمن الناحية القانونية، لا توجد في التشريعات الحالية نصوص صريحة تمنع الجمع بين المناصب البرلمانية والمناصب الإدارية في الأندية الرياضية أو الاتحادات، طالما لا يترتب على ذلك تعارض مصالح مباشر أو استفادة مالية غير مشروعة، كما يترك قانون الرياضة مسألة الترشح والانتخاب داخل الأندية، للجمعيات العمومية باعتبارها صاحبة القرار النهائي؛ بيد أن غياب المنع القانوني لا يعني بالضرورة غياب الجدل العام، خاصة حين تتكرر الأسماء والعائلات داخل أكثر من دائرة تأثير، حيث يرى البعض أن الجمع بين السياسة والرياضة قد يتيح فرص دعم وتطوير، بينما يحذر آخرون من أن استمرار الأسماء نفسها يحد من تجديد الدماء ويفتح الباب لتعارض المصالح والانتقاد الشعبي.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا في النهاية: هل نحن أمام كفاءات متعددة المواقع فرضت حضورها بثقلها الاجتماعي والخدمي، أم أمام شبكة نفوذ عائلية تتوسع بهدوء داخل مؤسسات يفترض أنها تعبر عن قاعدة جماهيرية واسعة؟ الإجابة لا يمكن أن تكون قطعية، لكنها تستدعي قدرًا أكبر من الشفافية والإفصاح والنقاش العام المفتوح.




