كتب: أحمد بسيوني
بإشارة رئاسية، عاد الحراك مرة أخرى إلى ملف المحليات، فبالرغم من كونه استحقاقًا دستوريًا متأخرًا، ظل إصدار قانوني انتخابات المجالس المحلية والإدارة المحلية حبيس الأدراج، ولم يحركه سوى تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة -عقب التعديل الوزاري الأخير- بضرورة استكمال هذا الاستحقاق لتحقيق المشاركة الشعبية في الرقابة على وحدات الإدارة المحلية وضبط أدائها الإداري.
فمنذ حل المجالس المحلية عقب ثورة 25 يناير، لم تنعقد انتخابات المجالس المحلية مرة آخرى، وظل الوضع كما هو عليه، ليغيب هذا الاستحقاق الدستورى المهم بعد الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلسي النواب والشيوخ، عن المشهد السياسي المصري.
والامر المؤكد انه لا حياة سياسية سليمة بدون مجالس محلية منتخبة تحرك الركود فى الأحزاب وتخلق كوادر جديدة فى شرايين السياسة المصرية.
وطوال السنوات الماضية كان مشروع القانون الخاص بالمحليات ضيفًا دائمًا على اللجان البرلمانية، وبشكل خاص لجنة الإدارة المحلية التى بشرتنا أكثر من مرة بقرب الانتهاء من مناقشته وخروجه من أدراج مجلس النواب، وذهبت الوعود أدراج الرياح.
وتعد انتخابات المجليات استحقاق دستورى بامتياز، حيث ضم الدستور 9 مواد (175، 183) وأعطى عددًا من الصلاحيات المهمة لهذه المجالس، منها أن يكون للوحدات المحلية موازنات مالية مستقلة. وربما تكون تلك الصلاحيات أحد الأسباب لتعطيلها.
وقد صدرت تأكيدات، خلال اجتماع لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ برئاسة الدكتور أحمد شعراوي، بأن القانون المنظم للإدارة المحلية يأتي على رأس أولويات اللجنة في خطة عملها.
وأكد شعراوي أن استكمال هذا الاستحقاق يأتي اتساقًا مع توجيهات عبد الفتاح السيسي بشأن استكمال البناء المؤسسي وإجراء انتخابات المحليات، معتبرًا أن المجالس المحلية تمثل «مدرسة سياسية» لإعداد كوادر قادرة على ممارسة العمل النيابي والرقابي بصورة منضبطة.
رؤية استراتيجية للحكم المحلي
من جانبه، أوضح اللواء الدكتور رضا فرحات، خبير الإدارة المحلية، أن الدفع نحو إجراء انتخابات المجالس المحلية يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة بناء منظومة الحكم المحلي على أسس حديثة، ترتكز على اللامركزية وتفعيل الرقابة الشعبية وتحقيق التكامل بين المستويين المركزي والمحلي.
وأشار إلى أن وجود مجالس محلية منتخبة يمثل حجر الزاوية في تحسين كفاءة الأداء الحكومي، عبر رصد المشكلات من جذورها، واقتراح حلول عملية، ومتابعة تنفيذ الخطط التنموية، بما يسهم في توجيه الموارد بعدالة وكفاءة أكبر، خاصة في القرى والمراكز والأحياء.
وأضاف أن توقيت استعادة دور المجالس المحلية يتزامن مع تنفيذ مشروعات قومية وبرامج تنموية واسعة، ما يتطلب أطرًا رقابية محلية قادرة على المتابعة الدقيقة وضمان أعلى درجات الشفافية والمساءلة، فضلًا عن إتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة لضخ دماء جديدة في العمل العام.
تحديات تشريعية مؤجلة
بدوره، أكد النائب محمد صبري أبوابراهيم، عضو مجلس الشيوخ السابق ورئيس أخر مجلس محلي لحي المنتزه، أن المجالس الشعبية المحلية تعد من أهم مظاهر الديمقراطية، كونها تمنح المواطنين منصة مباشرة للمشاركة في إدارة شؤونهم المحلية، ومراقبة أداء المسؤولين التنفيذيين، ومتابعة ملفات الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمرافق.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه تفعيل هذا الدور استمرار تأخر صدور قانون الإدارة المحلية الجديد، بما يحد من منح المجالس صلاحيات أوسع وتمكين أقوى، خاصة في ظل ما نص عليه دستور 2014 من توسع في اختصاصاتها وتمثيلها للفئات المختلفة.
وطرح أبوابراهيم رؤية تدعو إلى فصل باب انتخابات المجالس الشعبية المحلية في تشريع مستقل، مع ضرورة وضوح الاختصاصات وتوازن الصلاحيات، بما يمنع تكرار أوجه القصور السابقة ويحقق الانضباط المؤسسي المنشود.
استحقاق دستوري مهم لتنشيط الحياة السياسية
ويؤكد الدكتور رجب الطلخاوى، أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الأقتصاديه والعلوم السياسية جامعة الإسكندرية، أن غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ حلها عقب أحداث ثورة 25 يناير خلق فراغًا في منظومة الرقابة المحلية والمشاركة الشعبية، رغم أن الدستور أفرد عددًا من المواد لتنظيم الإدارة المحلية، ومنحها أدوات رقابية وموازنات مستقلة.
وأشار إلى أن إعادة تشكيل المجالس المحلية لا تمثل فقط استكمالًا لبنية الاستحقاقات الدستورية، بل خطوة مؤثرة في تنشيط الحياة السياسية والحزبية، وإعداد أجيال جديدة من القيادات المحلية، وتعزيز قنوات التواصل بين المواطن والجهاز التنفيذي.
عقبات دستورية أمام قانون المحليات
ومع ذلك، هناك عقبات دستورية قد تحول دون الوصول إلى توافق بشأن قانون الإدارة المحلية وانتخابات مجالسها.
إذ تنص المادة 180 من الدستور المصري على أن «يُخصص ربع عدد المقاعد في المجالس المحلية للشباب من دون سن 35 سنة، وربع العدد للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة تمثيلاً مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة».
وبحسب كثير من المحللين، فإن مصر لن تشهد انتخابات محلية قبل الانتهاء من مشروع تعديل الدستور، المرجح عرضه على مجلس النواب في نهاية هذا العام على الأرجح، بحيث يتضمن تغييراً شاملاً لجميع المواد المنظمة للمحليات، حتى تتكامل مع التشريع الذي سيصدر لتنظيم انتخاب المجالس المحلية واختصاصاتها.
وفيما يتعلق بالمخاوف المحيطة بالقانون في ظل المحددات الدستورية الحالية، يجيب المستشار عدلي حسين محافظ المنوفية والقليوبية الأسبق، وخبير الإدارة المحلية، خلال مناقشات مجلس الشيوخ: قائلًا: “عدد أعضاء المجالس المحلية بموجب الدستور يصل إلى 55 ألف عضو، وهذا هو السبب الذي تخشاه الحكومات، من أين سنأتي بهذا الرقم؟ إنه رقم يخيف الجميع، وعلى الجميع، أو بالأحرى على الإدارة، أن تعمل حسابها من الآن لاختيار العناصر الجيدة.”
فهل نحتاج لتعديل الدستور أم نكتفي بإجراء تعديل في المسميات والأوصاف الواردة في قانون مباشرة الحقوق السياسية؟.
فالدستور يشترط نسبة الـ50% للعمال والفلاحين، ولذلك يؤكد وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ النائب الوفدي طارق عبد العزيز، أنه وفقًا للتعريف الحالي للعمال والفلاحين، سيأتي إلى المجالس المحلية “بصمجية” لم يتجاوزوا المرحلة الإعدادية”.
وبناءً عليه، طالب بتغيير تلك التعريفات ليصبح العامل “كل من يعيش على أجر”، أما بالنسبة للفلاح، فقد استنكر اقتصار تعريفه على من لا تزيد ملكيته على 10 أفدنة، متسائلًا: “لماذا؟ هل من يمتلك 20 فدانًا ليس فلاحًا ولا علاقة له بالزراعة؟”، معتبرًا أن هذه الاشتراطات كانت مطلوبة في حقبة زمنية معينة بغرض الحماية، لكن الحاجة إليها قد انتفت الآن.
وهذا الطرح يحاول إخراجنا من مأزق الحاجة الملحة لتعديل الدستور، مستعيضًا عنها بتغيير التعريفات القانونية لتسهيل عملية تقديم المرشحين.
نحو قانون متوازن
وفي ظل توجيهات رئيس الجمهورية، يتجه النقاش إلى صياغة قانون يحقق التوازن بين توسيع صلاحيات المجالس المحلية وضمان فاعلية الأداء التنفيذي، مع تأكيد أهمية تمكين المجالس من ممارسة دورها الرقابي والتنموي بكفاءة.
ولذلك، يبقى صدور قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المحليات محطة محورية في مسار الإصلاح الإداري والسياسي، وخطوة منتظرة لتعزيز المشاركة الشعبية وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية على المستوى المحلي.
لكن السؤال الأبرز، هل ستسير هذه المشروعات المقترحة للقوانين في مسارات المناقشة الطبيعية داخل لجان مجلسي النواب والشيوخ ليلحق بها مشروع الحكومة؟ أم أننا سنتفاجأ بتعديلات دستورية بنوايا حسنة، بحجة تعديل نصوص المحليات، لتمرر معها تعديلات أخرى في بعض مواد الدستور.






