كتب: أحمد بسيوني
تعيش محافظة الإسكندرية لحظة فارقة، مع رحيل المحافظ القوي الفريق أحمد خالد حسن سعيد، وتولي المهندس أيمن محمد إبراهيم عطية المسؤولية، وذلك في إطار حركة تغييرات يُنظر إليها باعتبارها محطة لإعادة ترتيب الأولويات داخل عروس البحر المتوسط.
رسالة وداع… نبرة إنسانية ومسؤولية وطنية
وجاءت كلمات المحافظ السابق محمّلة بمشاعر الارتباط بالمدينة وأهلها، إذ قال في رسالته:
“إلى الإسكندرية… المدينة التي لا تُغادر القلب، إلى أهلها الكرام… إلى رجالها التنفيذيين والعاملين المخلصين.. لم تكن الإسكندرية بالنسبة لي موقع عمل، بل مسؤولية وطن ووجوه ناس وبيوت وأحلام”، مؤكدًا أنه حمل الأمانة “بكل ما استطاع من جهد وصدق وإخلاص”.
وفي ختام رسالته، وجّه التحية لموظفي الأجهزة التنفيذية، مشيدًا بدورهم اليومي، كما ثمّن جهود الأجهزة الأمنية والمنطقة الشمالية العسكرية والقوات البحرية، معتبرًا أن التعاون المؤسسي شكّل ركيزة أساسية في إدارة ملفات معقدة وتحديات متراكمة.
لماذا رحل الفريق أحمد خالد عن الإسكندرية؟ جدل مجتمعي… بين النقد والتقدير
تزامن رحيل المحافظ مع حالة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول المواطنون تساؤلات حول أسباب التغيير، وربط بعضهم بين القرار وعدة ملفات شائكة شهدتها المحافظة خلال الفترة الماضية.
لعل أبرز تلك الملفات قرار توقف ترام الرمل وما نتج عنه من ضغوط مرورية وتحديات في حركة تنقل المواطنين، وعدم صدور المخططات التفصيلية وتوقف حركة البناء نهائيًا بالمحافظة، بالإضافة إلى واقعة تعيين رئيس حي شرق رغم صدور حكم قضائي ضده منذ سنوات.
هذا بالإضافة إلى تجنبه التعامل نهائيًا مع الإعلام السكندري، فلم يعقد لقاءً صحفيًا واحدًا خلال 19 شهرًا فترة توليه منصبه، ولم ينفذ وعده بتعيين متحدث إعلامي للمحافظة مكتفيًا بالبيانات الصحفية الصادرة عن إدارة العلاقات العامة والإعلام بالمحافظة.
ورغم تباين الآراء بين مؤيد لقرار الرحيل وناقد للقرار، اتفقت قطاعات واسعة من السكندريين على أن المرحلة المقبلة تتطلب حلولًا عملية ومستدامة للتحديات المزمنة، مع التركيز على النتائج الملموسة وتحسين جودة الحياة اليومية.
ويمثل الانتقال بين المحافظين فرصة لإعادة تقييم السياسات التنفيذية وترتيب الأولويات، فبينما ارتبطت المرحلة السابقة بإدارة تحديات ضاغطة وقرارات صعبة، تتجه الأنظار الآن إلى منهج الإدارة في المرحلة الجديدة، ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ والاستجابة الفعّالة لمطالب المواطنين.
المحافظ الجديد… خلفية هندسية وخبرة تنفيذية
تتجه الأنظار إلى المحافظ الجديد أيمن عطية، الذي يحظى بخلفية هندسية وتنفيذية واسعة، فهو خريج جامعة الإسكندرية (بكالوريوس الهندسة المعمارية عام 1997)، وتدرّج مهنيًا داخل شركة المقاولون العرب حتى تولّى مواقع قيادية بارزة، من بينها عضوية مجلس الإدارة ورئاسة قطاع الإسكندرية.
ويمتلك عطية سجلًا ممتدًا في إدارة المشروعات الكبرى داخل مصر وخارجها، حيث أشرف على مشروعات قومية وبنية تحتية وأعمال حماية بحرية، فضلًا عن مشاركاته في تحالفات دولية؛ لعل من بينها سد جوليوس نيريري بتنزانيا، ومشروعات مدينة العلمين الجديدة، وأعمال الحماية البحرية لكورنيش الإسكندرية.
وتعزز هذه الخلفية توقعات الشارع بقدرة أكبر على إدارة الملفات العمرانية والخدمية ذات الطابع الفني، خاصة في مدينة تتشابك فيها التحديات بين البنية الأساسية والتنظيم الحضري والخدمات العامة.
ملفات عاجلة تنتظر المحافظ الجديد
في أول تصريح للمهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية الجديد، قال إن هناك طموحات كثيرة أتمنى تحقيقها بصفتي من مواطني الإسكندرية، وسوف ننفذها على أرض الواقع، بتكاتف جميع الجهود من الأجهزة التنفيذية وكفاءات ورموز المدينة ومؤسسات المجتمع المدني.
وتبرز على طاولة المحافظ الجديد عدة ملفات رئيسية، وهي النظافة والبيئة، ورفع كفاءة منظومة جمع ونقل المخلفات، وحل أزمة النباشين، والأسواق العشوائية والباعة الجائلين، من خلال إعادة التنظيم الحضاري للأسواق، مع توفير بدائل مناسبة تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز قنوات الاتصال المباشر مع المواطنين وتسريع آليات الاستجابة للشكاوى.
ولعل ظهور المحافظ الجديد دون حراسة خلال جولاته المرورية عقب توليه المسئولية، والمقارنة مع موكب المحافظ السابق، بعث تفاؤلاً على قدرة المحافظ الجديد على التواصل الحقيقي عن قرب مع المواطنين دون حواجز.
كما يُعد ملف تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، من أهم الملفات فى مجال الصحة بالمحافظة أمام مكتب المحافظ الجديد لاستكمال التحضيرات والتجهيزات اللازمة للمنظومة، حيث تسعى محافظة الإسكندرية حاليا لسرعة الإنتهاء من كافة الإستعدادات الخاصه بتجهيز البنية التحتية اللازمة لإنضمام المحافظة الى منظومة التأمين الصحى الشامل.
هذا بالإضافة إلى ملف الشواطئ المغلقة بسبب مشروع توسعة كورنيش الإسكندرية، الأمر الذى جعل كثافة الإقبال يزداد على بعض الشواطئ خاصة مع ذروة موسم المصيف فى يوليو وأغسطس والذى استقبلت خلاله الإسكندرية العام الماضى نحو 3 مليون مصطاف.
الإسكندرية… اختبار دائم للإدارة المحلية
مدينة بحجم وتاريخ الإسكندرية تفرض معادلة دقيقة على متخذي القرار وهي ببساطة ضرورة استمرار الخدمات اليومية الفعّالة، إضافة إلى الرؤية عمرانية متوازنة والانضباط التنفيذي.
وبين وداع محافظ عبّر عن تقديره للمدينة وأهلها، واستقبال محافظ جديد يحمل خبرة فنية وتنفيذية، تبقى التحديات ثابتة، بينما تتجدد الآمال في إدارة أكثر سرعة ومرونة وشفافية؛ فما بين الوداع والبداية، تظل الإسكندرية مدينة لا تغادر القلب، وتنتظر دائمًا ما يليق بتاريخها ومكانتها.






