حوار : زياد عمرو
بعد حادث مدرسة الإسكندرية للغات..
الدكتورة هبة الطماوي أخصائي الإرشاد النفسي والتربوي وتعديل السلوك تكشف المسكوت عنه وتشرح خبايا الجريمة..
ما لا يُقال عن التحرش بالأطفال.. حوار نفسي تربوي يكشف المناطق الصامتة في الجريمة
س: دكتورة هبة، حادث مدرسة الإسكندرية للغات أعاد ملف التحرش بالأطفال للواجهة من جديد، رغم أنه موضوع مطروح منذ سنوات، ما المختلف هذه المرة؟
ج: المختلف إننا بنرجع نتكلم عن نفس الجريمة من نفس الزاوية، ونتجاهل الزوايا الأخطر. التحرش بالأطفال بقى موضوع مستهلك في الكلام، لكن ما زلنا لا نفهم كيف يفكر الجاني، ولا لماذا يستجيب الطفل أحيانًا بالصمت أو التجمّد. التركيز دايمًا بيكون على اللحظة، لكن الجريمة في الحقيقة عملية كاملة وليست موقفًا عابرًا.
س: ماذا تقصدين بأنها عملية كاملة؟
ج: المتحرش لا يتحرك بعشوائية. هو يخطط، يراقب، ويختار. يدرس المكان أولًا، هل فيه رقابة حقيقية أم تسيّب؟ هل الإدارة تتعامل بجدية مع الشكاوى أم تقلل منها؟ هل هناك كاميرات؟ هل هناك إشراف؟ عندما يطمئن للمكان، يبدأ في البحث عن الطفل المناسب.
س: ومن هو الطفل المناسب من وجهة نظر الجاني؟
ج: غالبًا طفل هادئ جدًا، غير مشاغب، غير ملفت للانتباه. طفل يميل للعزلة، أو ليس له أصدقاء ثابتون. الطفل الذي يجلس وحده، أو ينتظر دائمًا من يختاره، يكون أقل حماية. التغيرات التي تحدث عليه قد لا يلاحظها أحد بسهولة، وهذا ما يريده الجاني.
س: وهل للعامل العاطفي دور؟
ج: دور محوري وخطير. المتحرش يفضل الطفل الذي يعاني من فراغ عاطفي، طفل محروم من الاحتواء أو الاهتمام. هذا الطفل يتشبث بأي كلمة حلوة أو إحساس زائف بالأمان. الجاني يستغل هذا الاحتياج بذكاء شديد، ويقدّم نفسه كصديق أو داعم، وليس كمعتدٍ.
س: كثيرون يتساءلون لماذا لا يصرخ الطفل أو يشتكي؟
ج: لأن التحرش نادرًا ما يبدأ باعتداء مباشر. يبدأ باختبارات. لمس عابر، اقتراب غير مبرر، مزاح غير لائق، طلب غريب تحت مسمى اللعب أو المساعدة. الجاني يراقب رد الفعل. إذا سكت الطفل، أو ارتبك، أو تجمّد، فهذه بالنسبة له إشارة خضراء للاستمرار.
س: لكن الصمت يُفسَّر أحيانًا على أنه قبول أو ضعف
ج: وهذا خطأ جسيم. صمت الطفل ليس قبولًا، بل استجابة نفسية طبيعية. الطفل لا يفهم ما يحدث، ولا يملك أدوات الرفض، ولم يُعلَّم أن من حقه أن يقول “لا” للكبير. كثير من الأطفال يدخلون في حالة تجمّد نفسي، العقل يتوقف، والجسد لا يستجيب.
س: هل الخوف هو السبب الوحيد للصمت؟
ج: لا. بعض الأطفال يسكتون خوفًا من التهديد أو العقاب، وبعضهم خوفًا من فقدان الشخص الذي ظن أنه يحبه. وهناك أطفال يسكتون لأنهم يعتقدون أن الخطأ خطؤهم، أو أن أحدًا لن يصدقهم. هذه قناعة خطيرة نزرعها أحيانًا نحن الكبار دون قصد.
س: تقصدين أن المجتمع قد يشارك في الجريمة؟
ج: نعم، حين نشكك في كلام الطفل، أو نلومه، أو نغرقه بالأسئلة التي تشعره بالذنب. حين نقول له: لماذا لم تتكلم؟ لماذا لم تهرب؟ نحن نغلق أمامه باب النجاة. الطفل الذي يشعر أن صوته مسموع ومصدق، تزيد احتمالية طلبه للمساعدة أضعافًا.
س: ما الرسالة الأهم بعد هذا الحادث؟
ج: أن حماية الأطفال لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها. تبدأ بالوعي، وبالتصديق، وبخلق بيئة آمنة حقيقيًا، داخل المدارس والبيوت. الطفل لا يحتاج محققًا، بل يحتاج بالغًا يثق به، ويؤمن أن صمته قد يكون صرخة لم يسمعها أحد.





