من عيادة التغذية إلى أسواق الزيوت.. رحلة ” قرص الفلافل ” خلال شهر رمضان
كتبت: رنيم العشري
شهر رمضان.. شهر العبادة، الروحانيات، المودة والرحمة.. شهر إظهار المحبة والامتنان؛ حيث يجتمع الجميع حول مائدة واحدة؛ بابتسامة خيرٍ وسلام، يتقاسمون كل شيء؛ الحديث، المحبة وطعام الإفطار والسحور المصري الذي لا خلاف عليه.
فما بين موائد الرحمن، وموائد إفطار العائلات، وأطباق السحور تُبسَط أصناف الطعام وتصطف بجانب الضحكات؛ ليتزين بها الشهر الكريم.
وتتميز موائد السحور في كلِ مكانٍ بأصنافٍ لا تعد ولا تحصى من الطعام المصري ما بين بيضٍ وخبزٍ وجبنٍ وفول وشكشوكة وأصنافٍ أخرى كثيرة ولكن نادرًا ما تتزين الموائد بطبق ” الفلافل ” الذي لا يخلى من وجوده أي تجمع مصري وسكندري أصيل.
وتختلف الأسباب والأقوال بين الألسنة حول سبب عدم تواجد الفلافل بين كل هذه الأطباق؛ فمنها ما تقول ” ثقيلة على المعدة ” ومنها ما يتجه إلى الدارج ويضيف ” بتعطش ” ولكن إن بحثنا عن أسبابٍ غذائية وصحية فأوضحت ” د. إية السيد ” طبيبة التغذية أن التحفظ على وجود “الفلافل” بشكلٍ أساسي في وجبة السحور لا يعود لمكوناتها الغذائية، بل لكونها ” فخاً ” من الدهون المشبعة نتيجة عملية القلي العميق؛ فتعمل الدهون على إبطاء عملية الهضم بشكل مجهد للجسم، مما يسبب الشعور بـ ” الحرقان ” واضطرابات المعدة، فضلًا عن رفعها للحمل الهضمي الذي يترجم نهارًا إلى شعور بالخمول وعطش شديد خاصة إن لم ترافق بكميات كافية من الخضراوات أو البروتين.. ومع ذلك، لا يمنع من تناولها تماماً بل تنصح ببدائل ذكية مثل تحضيرها في الفرن أو ” القلاية الهوائية ” مع تقليل الملح؛ لضمان الإستمتاع بطعمها دون التأثير على كفاءة الصيام ونشاط الجسم.
روشتة السحور الذكي: طاقة مستدامة وصيام بلا عطش
في سياق البحث عن السحور المثالي أكدت د. آية السيد أن القاعدة الذهبية تكمن في إختيار الأطعمة التي تمنح ” شبعًا طويل الأمد ” وتحافظ على مستويات الطاقة ثابتة؛ وتتصدر البروتينات كالبيض والزبادي والفول قائمة التوصيات لقدرتها على حماية الكتلة العضلية، بجانب الكربوهيدرات المعقدة كالخبز البلدي والشوفان التي تضخ الطاقة للجسم تدريجيًا.
كما شددت على ضرورة دمج الخضروات الغنية بالماء كالخيار والخس لتقليل الإحساس بالعطش، مع ضرورة الإبتعاد عن السكريات البسيطة والموالح التي تعد العدو الأول للصائم في الساعات الأولى من النهار.
“85%” خسارة شهرية تعوضها بركة الشهر الكريم والخيم الرمضانية
ولا يتوقف الجدل حول ” الفلافل ” عند أبواب العيادات الطبية فحسب، بل يمتد لأروقة الأسواق؛ حيث يؤكد ” الحاج محمد ” أحد تجار الزيوت بالإسكندرية أن بوصلة الشراء تتغير في رمضان، قائلًا: ” مبيعاتنا خلال شهر رمضان تمثل فقط 15% من المبيعات المعتادة؛ فأول 20 يوم من رمضان تكون حالة ركود بالنسبة لنا وتعتبر إجازة موسمية، ولكننا نعود مرة أخرى للعمل خلال العشر الأواخر من الشهر الكريم بشكل تدريجي استعدادًا لعودة العمل في ثاني أيام عيد الفطر المبارك. وبفضل الله بركة الشهر تعوض أي نقص في المبيعات وتظهر الخيم الرمضانية لتعوض جزء من فارق البيع والجلوس بالمنزل. ”
وعلى بُعد خطواتٍ، يقف “إبراهيم”، صنايعي طاسة بأحد المطاعم في باكوس بالإسكندرية؛ ممسكاً بـ “المقطعة” ليقلب أقراص الفلافل الذهبية ويعلق على هذا التراجع بإبتسامة رضا قائلاً: ” عملنا خلال شهر رمضان يكاد يكون معتمدًا على الفول بشكل كلي؛ نادرًا ما نخرج فلافل جاهزة ومعدة بالكامل داخل مطعمنا، ولكن يوجد نسبة ضئيلة فقط من تشتري ” عجينة الفلافل ” للسحور وتعدها بنفسها في المنزل بين حينٍ والأخر “.
ولآن دائمًا شهر رمضان هو شهر الخير والصدقات يضيف إبراهيم: ” ” الخير في رمضان كتير، والطاسة عندنا مش بتقف طول الشهر “، أصحاب الخير طوال الشهر لا ينسوا فضل السحور؛ فيأتي لنا من يطلب وجبات معدة خصيصًا للإطعام طوال الشهر توزع في شوارع الإسكندرية وقت السحور، بجانب الوجبات التي تعد خصيصًا للمساجد والجوامع خلال العشر الأواخر من رمضان للمعتكفين.
استراحة محارب للفلافل خلال شهر رمضان
بين نصيحة الطبيبة التي تخشى على صيامنا من ” فخ ” العطش، وإبتسامة إبراهيم التي تؤكد أن الخير لا ينقطع؛ تبقى الفلافل حاضرة في الوجدان وإن غابت عن الميدان فغيابها المؤقت عن مائدة السحور ليس إلا “استراحة محارب ” لتطل علينا مجددًا بزهوتها المعتادة في صبيحة عيد الفطر؛ معلنةً عودة الحياة إلى طاسات الزيت، وعودة ” التحبيشة ” التي لا تكتمل لمة المصريين بدونها.





