كتبت: أميرة سلامة
يرتبط الاحتفال بالكريسماس في صورته الحديثة بتاريخ أوروبي يعود إلى القرون الأولى للمسيحية ،حيث بدأ العيد كطقس ديني خالص لإحياء ذكرى ميلاد السيد المسيح قبل أن تتشكل ملامحه الاجتماعية لاحقًا ،ومع القرن التاسع عشر خاصة في أوروبا ،بدأ الكريسماس يخرج من الكنيسة إلى البيوت وظهرت طقوس مثل تزيين الشجرة ،تبادل الهدايا والاحتفال العائلي وهي مظاهر ارتبطت بالأساس بالطبقات المتوسطة والبرجوازية لاحقًا ومع انتشار الثقافة الغربية والهجرات الأوروبية ،انتقلت هذه الطقوس إلى مدن المتوسط، ومنها الإسكندرية، التي كانت تضم جاليات أجنبية كبيرة من اليونانيين والإيطاليين والفرنسيين.
الإسكندرية النصف الأول من القرن العشرين كان الأجانب يحتفلون بالكريسماس في نطاق اجتماعي مغلق نسبيًا، داخل البيوت والنوادي والجمعيات الخاصة كانت الاحتفالات هادئة ومنظمة تعتمد على العشاء العائلي ،الموسيقى ،وتزيين المنازل دون مظاهر صاخبة في الشارع ومع الوقت تداخلت هذه العادات مع المجتمع السكندري لتصبح جزءًا من المشهد العام للمدينة وإن احتفظت بروحها البسيطة.
مع اقتراب الكريسماس تتغيّر ملامح المنشيّة تدريجيًا، فتزداد الأضواء في واجهات المحال وتظهر الزينة الموسمية في الشوارع التي اعتادت على الزحام اليومي هذا التغيّر السنوي لا يعكس فقط مناسبة دينية بل يكشف تحوّلًا اجتماعيًا أعمق في طريقة احتفال السكندريين بالعيد بين ما كان يُعاش قديمًا وما أصبح يُعرض اليوم.
أمس كانت شجرة صغيرة، حلويات منزلية، زيارات عائلية وتبادل التهاني بين الجيران في مشهد يتسم بالبساطة والخصوصية لم تكن المنشيّة مركزًا للاحتفال بقدر ما كانت ممرًا طبيعيًا لحياة المدينة يمرّ به الناس دون أن يتحوّل إلى مساحة استعراض موسمي.
اليوم تغيّر المشهد بوضوح خرج الاحتفال من البيوت إلى الشارع وأصبحت المنشيّة واحدة من أبرز الأماكن التي تعكس هذا التحوّل فالزينة لم تعد تفصيلًا جانبيًا بل عنصرًا أساسيًا في المشهد العام والكريسماس تحوّل إلى حدث بصري تشارك فيه المحال التجارية أما عن المارّة فأصبحوا عدسات الهواتف المحمولة لم يعد العيد مجرد إحساس بل صورة يتم التقاطها وتداولها هذا التحوّل لا يعني غياب المعنى القديم بل إعادة صياغته.
وبين أجيال عاشت الكريسماس كطقس عائلي هادئ، وأجيال تتعامل معه كحدث اجتماعي مفتوح تظل المنشيّة نقطة التقاء بين زمنين كبار السن يستعيدون ذكريات البساطة وشباب في الشوارع المزيّنة يربطون الاحتفال بمواقع التواصل الاجتماعي
وفي جولة بشوارع المنشيّة تتباين آراء المارّة حول شكل الاحتفال بين الماضي والحاضر، يقول أحد كبار السن ان الكريسماس قديمًا :كان أهدى وأقرب إلي الناس موضحًا أن العيد لم يكن مرتبطًا بالزينة أو التصوير بل بالزيارات والعلاقات الإنسانية ويضيف أن المنشيّة كانت تشهد حركة طبيعية في تلك الأيام دون مظاهر لافتة معتبرًا أن الفرحة كانت في تجميع الاحباب وليس بالشكل.
على الجانب الآخر يرى بعض الشباب أن الاحتفال اليوم أصبح أكثر انفتاحًا ومشاركة معتبرين أن الزينة والأجواء العامة تمنح العيد طابعًا مختلفًا تقول إحدى الشابات ان الكريسماس حاليًا أصبح مناسبة للناس جميعا وليس طابع ديني فقط مشيرة إلى أن الشوارع المزيّنة في المنشيّة أصبحت مساحة مشتركة للفرح والتصوير والخروج.
وبين هذه الآراء المختلفة يظهر الكريسماس في الإسكندرية كاحتفال متحوّل، انتقل من طقس أوروبي مغلق إلى مناسبة اجتماعية مفتوحة ثم إلى مشهد بصري عام تعكسه شوارع مثل المنشيّة بوضوح وهو تحوّل لا يلغي ما سبقه بقدر ما يضيف إليه في مدينة اعتادت أن تستوعب الثقافات وتعيد صياغتها بطريقتها الخاصة.
مدينة مثل الإسكندرية ارتبط الكريسماس دائمًا بفكرة التعايش والمشاركة باعتباره مناسبة اجتماعية تتجاوز الإطار الديني الضيق وهو ما يظهر بوضوح في المنشيّة، حيث تختلط مظاهر الاحتفال بحركة المدينة اليومية دون انفصال أو تعارض في صورة تعكس طبيعة المدينة المتنوعة.
ورغم تغيّر شكل الاحتفال تبقى المنشيّة ثابتة في موقعها ودورها مبانيها القديمة وشوارعها المزدحمة تحمل آثار أجيال متعاقبة وتشهد كل عام على أن الفرح مهما تبدّلت وسائله يظل حاضرًا في حياة الإسكندريين فهنا لا يختفي الماضي ولا يطغى الحاضر بل يلتقيان في مشهد واحد يتجدد مع كل كريسماس.





